#1  
قديم 10-19-2011, 08:55 AM
fasii
Guest
          
المشاركات: n/a
افتراضي محمــد شكــــري - المذكرات

محمــد شكــــري - المذكرات

محمد عزالدين التازي

محمد شكري
كاتب من زماننا


الإهداء إلى صاحب الصبوات والكبوات الليلي النهاري إلى من حَوَّلَ جراح الذات إلى جراح للكتابة الكاتب الراحل محمد شكري وقت للوقت أيها الذاهب في طريق لا جدوى من ذهاب في طريق. لا حاجة لبكاء على حريق. لا ربيع ولا خريف فالأزمنة كلها والفصول كلها والتواريخ كلها تأتي إلى زمن الكتابة. ولا حاجة للندم على شيء، أو تبرير ما لا تبرير له، أو الدفاع عن "زمن الأخطاء"، فقد مضى الوقت فلا أرباح ولا أرباح ولا خسارات، ولا هزائم ولا انتصارات، وما بقي من شيء غير وجوه الصحاب، أراها الآن في البرازخ، بكل الكلمات المبعثرة وأحاسيس الحسرة وطفرات الدموع، ناصعة لا تزول في وقت هذا الزوال، فلا حاجة إلى المراثي، ولا حاجة إلى تفلسف لا جدوى منه لمعنى الحياة، فهي الحياة على بساطتها تستحق أن تعاش. هكذا العمر الجميل يقصر في سويعات الدهشة التي تحاول أن تسترجعه، مبشرة بزهو محتمل بميلاد مدن وتعايش أصحاب وقرع أجراس أو هو وخز عذاب ذاكرة خصبة تشهد على الذات ومعيشها الذي يتبدد لحظة بعد أخرى فلا تبقى منه غير الذكريات. وقت للكتابة هو الأطول لا بطول العمر أو بقصره، وإنما لأن الكتابة لا تستغرق وقتها وحسب، بل أوقاتا أخرى من قبل ومن بعد، محسوبة عليها، وهي أوقات خارج الوقت. وقت للبذخ والضحك والطعام والشراب والحديث والثرثرة، يتخلله وقت للموت دون أن نشعر به وهو يحل في ذلك الوقت. وقت للكتابة من خلاله نعيد للعالم نصاعته ومضاء حد السيف الذي به انحفرت الطعنة في أماكن حساسة وليس لذلك الوقت غير أن يجعل من الكتابة قلقا يوميا، باعتبارها كتابة قلقة، وباعتبارها استرجاع واستحضار للأنا ومجتمعها وتاريخها وانحدارات كل ذلك نحو المغيب. وقت للكتب بما هي مستودع للأسرار. وقت للريح والعواصف والأعاصير. وقت للمدن باكتشافها وشهواتها وتصدعاتها التاريخية وأسطوريتها التي تتماهى مع الواقع، فيها نعيش، نذمها ونحبها كثيرا، وفيها نختلس زمننا الضائع، سواء في معيشنا فيها أو في جعلنا لها موضوعا للكتابة. وقت للبرهنة على لاشيء يبرهن عليه بمنطق فهو وقت للمعيش الغفل، البسيط والعادي، وحيث لا يمكن أن نبرهن على أنه زمن للأخطاء، لأننا ما كنا نعيش في زمن غير زمن الأخطاء. وقت للطفولة وحيث يحسب كل أحد أنه قد عاش قسوة الحياة في الطفولة فيتنافس المتنافسون في سرد أنواع العذاب التي لاقوها في طفولتهم، لكنهم يتنافسون أيضا في أن أي عيش قد عاشوه بعد ذلك لم يكن أغنى وأبهى وأكثر تأثيرا على الحياة والذكريات. وقت للعبور، وحيث امرأة خائنة أو كتاب فاشل أو حانة منذورة للصمت وحيث لا صحاب ولا موسيقى، فهو وقت للعبور، بعده يأتي وقت الحضور. وقت يسكن في المحن، وفي الجراح الشخصية التي نكابر من أجل ألا تعطفنا فتحول إلى أناس غير فاعلين، غير ممارسين للوقت. وقت للذات، فذواتنا نحن، رتبتها المحن، فأعدنا ترتيبها في الكتابة، لا عبر البوح وحده، ولكن عبر القبض على تجليات المحن في الذاكرة الجمعية، والتاريخ، ورصيد القلق الممكن رغم الضحك والسخرية وحب الحياة. وقت للمدينة والمقبرة، وللرسائل والصور وللبحر والبر. وقت لموت الأصدقاء، محمد تيمد، محمد الكغاط، ومحمد زفزاف، كما عاشع محمد شكري فعاش فيه موته، ولذلك كان يضحك، ويقول لنا الموت طائر، لابد أن يتخطفنا ولكن آخر من سيتخطفه منا هو هذا، ويشير إلى صديقنا القديم العربي اليعقوبي، ليقول إنه قديم قدم الطوفان وهامان. وقت لاستشراف الموت، وحيث تبقى المدن شاهدة علينا، وحيث لا أثر على الطريق إلا ما تراه عيون تتجاوز رؤية المرئي إلى رؤيا الكشف والتجلي. وقت للطفولة التي نتجاوز بؤسها بطفولة أخرى نعيشها في الكهولة أو الشيخوخة. وقت لسطوة الكتابة، بما هي آثار خطى على طريق، أزمنة في زمن واحد، عنف للواقع والتخييل، لغة للغات المتعددة، أصوات نجد فيها الذات حتى وإن لم تكن أصواتنا نحن. أمر غريب يحدث في الكتابة السردية، وهو أنها بقدر ما تضاعف من ياة أبطالها فهي تذهب بهم نحو الموت. بخلاف المنطق الشائع، فالكتابة تجعل من موتهم حياة، كما كانت قد جعلت من حياتهم موتا، ربما، وهذا هو حال قصة محمد شكري "بشير حيا وميتا". شكري ليس كأبطاله، فقد عاش الحياة في الحياة وهو يعيش الحياة في الموت، لأنه أسطورة شخصية، ولأن المقبرة في كتاباته كفضاء كانت فضاء للعيش واختلاس المتع، وحتى "التابوت" كما في قصته التي تحمل نفس العنوان، لم يصنع إلا لموتى أحياء، أو لأحياء أموات، أما هو فقد عاش متمردا على التوابيت، فهو البطل الحقيقي ل "مجنون الورد"، وهو صديق الحيوانات والنباتات الجميلة، وهو الطاهي الفنان، وهو فنان الحكاية، ومبدع الوقت ليكون لصالحه مهما عصفت الريح أو أعصرت الأعاصير. هل يأتي الوقت ليناسب وقتا غير الوقت، وحتى أقول فيه كلاما كهذا لمحمد شكري، فيقول رأيه فيه، متى وأين، وكيف، ولماذا لا يقول رأيه حتى وقد تركني وحيدا؟ تلك هي محنة الوقت، التي تضاف إلى محن الذات بتفردها وجمعيتها، وذلك هو قلق الكتابة الذي تحاول أن تقبض عليه، لتؤجج من نار الأسئلة.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:53 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd Trans